الشيخ محمد هادي معرفة
306
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ذلك عقد معاهدة مع المشركين . لكن نبّهنا على أنّ مثل هذا التدرّج أو التحوّل في التشريع كانت سياسة ترتبط مع شروطها الخاصّة ، ولا يمكن إعفاؤها رأسا ، فلو عادت الظروف عادت الأحكام على حالتها الأولى ، لاسمح اللّه . 8 - تدريجية تشريع القتال كان المسلمون - وهم بمكة - ممنوعين عن مناوشة المشركين ، نظرا لموقفهم المتأرجح غير الثابت ، وكذلك بدء هجرتهم إلى المدينة ، بعدُ لم تتماسك عرى شوكتهم . ثمّ لمّا قوى جانبهم وترسّخت مركزيّتهم كامّة متماسكة لها كيان ولها حقّ إثبات الوجود ، أذن لهم في منابذة من يحاول هدم هذا الكيان ، دفاعا عن حقّهم الإنساني العام . وقد اجتاز تشريع الجهاد مراحل ، ابتدأ بمجرد الإذن بعد تحريم سابق ، وانتهت باستئصال المشركين : « أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا » . « 1 » المرحلة الأُولى : الإذن المجرد ، ترخيصا في الدفاع عن حقّهم الإنساني : « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ . . . » . « 2 » المرحلة الثانية : منابذة من كان يتعرّض لهم من المشركين : « فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ » « 3 » « وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » . « 4 » المرحلة الثالثة : مقاتلة من يليهم من الكفّار دون من يبعد عنهم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » . « 5 » قال
--> ( 1 ) - الأحزاب 61 : 33 . ( 2 ) - الحج 39 : 22 - 40 . ( 3 ) - النساء 91 : 4 . ( 4 ) - الأنفال 61 : 8 . ( 5 ) - التوبة 123 : 9 .